الرأي والتحليل

محمد عثمان الرضي يكتب: وصاية زائفة وسودان ما بعد الحرب: لماذا يخافون من صوت الشرق؟

في المشهد السوداني المأزوم، برزت فئات ومجموعات نصّبت نفسها وصيًا حصريًا على الوطن، تمارس حق التصنيف والإقصاء، وتحدد من هو وطني ومن هو خارج السرب، وفق أهوائها لا وفق معايير العدالة أو الانتماء الحقيقي.
هذه المجموعات تحمل صكوك الوطنية في جيوبها، توزعها متى شاءت وتسحبها متى أرادت، وتجعل من الاختلاف السياسي خيانة، ومن النقد جريمة، ومن الوقوف في وجهها مخاطرة لا تُحمد عقباها.
لقد اعتادت التلويح بسيوف التخوين، وصناعة الخصوم، وخلق معارك وهمية، لتبقى وحدها على المشهد، محتكرة الحقيقة، ومتحدثة باسم السودان دون تفويض شعبي حقيقي.
وتخصصت هذه الفئات، عبر سنوات طويلة، في صناعة قيادات كرتونية، معروفة بطأطأة الرؤوس، والانحناء الدائم، وتزيين القبيح وتقبيح الجميل، فقط لإرضاء السادة والكبار، ولو كان الثمن طمس الحقائق وتشويه الوعي العام.
غير أن هذه النخب فشلت في قراءة التحولات العميقة التي أحدثتها الحرب، ولم تدرك أن السودان بعد الحرب ليس كما كان قبلها، فقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر، وانقلبت الموازين، وارتبكت الحسابات، وسقطت مسلمات قديمة.
في هذا السياق المتغير، يبرز اسم قائد حركة تحرير شرق السودان، الشاب الثائر إبراهيم دنيا، بوصفه نتاجًا طبيعيًا لواقع جديد، لا يمكن فهمه أو تجاوزه بعقلية الوصاية القديمة.
إبراهيم دنيا لم يأتِ من فراغ، ولم يُصنع في مكاتب السلطة، بل خرج من قلب مجتمع شرق السودان، ترعرع بين أهله، وحمل همومهم وأحزانهم، وتقدم الصفوف في لحظة تاريخية بالغة القسوة.
تحمّل مسؤولية قيادة أهله في ظروف استثنائية، شأنه شأن كل المناضلين الذين خرجوا من رحم المعاناة، نختلف أو نتفق مع طرحه ونهجه، لكننا لا نملك إلا احترام خياراته وحقه في الفعل السياسي.
فالتاريخ يخبرنا أن كل حركات التحرر والاعتاق بدأت فكرة، ثم تحولت إلى ثورة، ثم أصبحت كيانًا سياسيًا ودولة، ولم يكن الشرق يومًا بمعزل عن هذا المسار الإنساني والسياسي.
نحن نعيش في عالم لا يعترف إلا بمن يفرض وجوده، عالم تُدار فيه السياسة بلغة القوة، حيث تُنتزع الحقوق ولا تُمنح، ويصبح البقاء للأقوى، مهما اختلفنا أخلاقيًا مع هذه الحقيقة القاسية.
وعلى امتداد الجغرافيا السودانية، حملت مئات الحركات السلاح، وتحولت إلى وقائع معاشة، ونالت نصيبها من السلطة والثروة، فأصبح السؤال مشروعًا: لماذا يُستنكر على الشرق ما أُبيح لغيره؟
إن حملات التنمر والتشويه التي تطال الثائر إبراهيم دنيا ليست سوى انعكاس لخوف دفين، وفقدان نفوذ، ومحاولات يائسة لإعادة إنتاج الوصاية القديمة بثوب جديد.
يقود هذه الحملات أصحاب قلوب مريضة وعقول عقيمة، تمرّسوا في حكم السودان في زمن الغفلة، واستثمروا في الانقسام، لكن عهدهم ولى بلا رجعة، وإن حاولوا إنكار ذلك.
لقد أصبحت حركة تحرير شرق السودان واقعًا سياسيًا لا يمكن القفز فوقه، ورقمًا صعبًا في معادلة ما بعد الحرب، رغم أنف الحاسدين والحاقدين.
ومن يسعون لإضعاف هذا المسار أو كسر شوكته يسيئون التقدير، ولا يحسبون للعواقب، فالتاريخ علّمنا أن من يكسب الناس يكسب الجولة، ومن يخسرهم يخسر كل شيء.
الشرق اليوم لم يعد صامتًا، ولم يعد يقبل بدور الهامش، بل يسعى لإعادة تعريف موقعه في الدولة، بعيدًا عن وصاية المركز، وبعيدًا عن صفقات النخب العابرة.
لم يعد مقبولًا أن تُدار قضايا الشرق بعقلية “(تمومة الجرتق)، أو أن تُختزل مطالبه في وعود موسمية وخطابات عاطفية لا تسمن ولا تغني من جوع.
ومنذ استقلال السودان، وتعاقب الحكومات المختلفة على حكمه، ظل الشرق حاضرًا كرقم ثانوي، لا شريكًا أصيلًا، وهي معادلة مختلة كرّست التهميش بدل معالجته.
والمؤسف أن جوهر أزمة الشرق لا يكمن فقط في حجم المظالم، بل فيمن تحدثوا باسمه طويلًا، دون أن يقدموا له مشروعًا حقيقيًا أو مكاسب ملموسة، مكتفين بالشعارات، وتركوا الإقليم يدفع فاتورة الصمت وسوء التمثيل.
وفي خضم هذا الواقع، تبرز مسؤولية القيادة الجديدة في أن تكون على قدر التحدي، وأن تتعلم من أخطاء الماضي، لا أن تعيد إنتاجها بصورة أخرى.
ومن هنا تأتي النصيحة للثائر إبراهيم دنيا وأعوانه، بضرورة ضبط الخطاب الإعلامي، والابتعاد عن الانجرار وراء العاطفة وردود الأفعال المتعجلة.
فالقضية العادلة قد تخسر الكثير إذا حُمّلت بخطاب انفعالي، أو استُهلكت في معارك جانبية، أو أُديرت بمنطق الغضب لا بمنطق الحكمة.
القائد الراشد والعاقل هو من يتحلى برجاحة العقل، ويوازن بين القول والفعل، ويزن كلماته قبل أن يطلقها، مدركًا أن الكلمة قد تبني مشروعًا أو تهدمه.
وليس عبثًا أن قال المثل السوداني العميق: «من فش غبينتو خرب مدينتو»، وهي حكمة تختصر تجارب وطنية مؤلمة دفع السودان ثمنها باهظًا.
كما أن تقديم المصلحة العامة على الخاصة يظل الاختبار الحقيقي لأي قيادة تسعى للشرعية والاستدامة، لا للظهور العابر.
إن السودان وهو ينهض من ركام الحرب، يحتاج إلى قيادات جديدة بعقلية جديدة، تؤمن بالشراكة، وتدير الصراع بحكمة، وتحوّل الغضب إلى برنامج، والمعاناة إلى أفق.
ومن الشرق، قد يأتي هذا الصوت المختلف، القادر على كسر احتكار الوصاية، والتأكيد أن زمن التصنيف انتهى، وأن زمن المشاركة الحقيقية قد بدأ.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى